مقدمة


الحمد لله كما ينبغي له أن يحمد، والصلاة والسلام على خير الخلق نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فإن الشريعة الإسلامية تزخر بثروة كبيرة من تغيرات الأحكام فرضتها تأثيرات الواقع ومتغيراته في الحاجات الزمنية والمكانية… وقد كان العلماء فيما مضى من عصور التشريع يسايرون هذا الواقع المتغير؛ لأنهم أدركوا أهمية دراسة الواقع بجميع خصوصياته ونواحيه، متفاعلين معه ومدركين أهمية دراسته واستيعاب جميع جوانبه، وكذلك فإن من الحري بعلمائنا اليوم أن يأخذوا هذه المهمة الجليلة على عاتقهم ولا سيما بعد أن تم تأصيلها ضمن مباحث علم الأصول، وتناولتها كتب القواعد الأصولية والفقهية.

فقد تقرر في نصوص القواعد ما يتناول النوازل والمتغيرات المستجدة، منها قولهم: "تغيُّر الأحكام بتغير موجباتها"، وقولهم: "تتغير بعض الأحكام بتغير الزمان"، وقولهم: "لا ينكر اختلاف الأحكام باختلاف الأزمان"، و"الفتوى تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن والأزمان"، و"الأحكام المترتبة على العوائد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها"، وغيرها من القواعد.

ومما لا شك فيه أن نعمة العقل التي مَنَّ الله بها على الإنسان تُمكِّنه من سَــبْر الأغوار واكتشاف المغمورات، واقتضت سنن الله الكونية أن يتوقد ذلك العقل حتى يُسفر بين الحين والآخر عن اكتشافات علمية جديدة في أغلب المجالات، الطبية والهندسية والتقنية والاقتصادية، وغيرها.

ومن البدَهي أن هذه الطفرة الهائلة من التقدم، غيرت الواقع الذي نعيشه وأثرت فيه بشكل كبير، فانعكس بدوره على العلوم الشرعية.

فأصبح لزاما على العلماء- لأجل مواكبة هذه المتغيرات- معالجة قضايا الأمة في ضوء ما استجد من حوادث، ولا سيما أن النصوص الشرعية متناهية، والحوادث غير متناهية، ولا يفي المتناهي بغير المتناهي، فبقدر ما بَذلت عقول المكتشفين لمقومات هذا التقدم الهائل من جهود، بقدر ما تُبذَل فيها جهودُ الفقهاء والعلماء والباحثين لبيان حكم الله عز وجل فيها، ومدى تأثر هذه العلوم الشرعية بالواقع المعاصر الذي نعيش فيه.

لذا ارتأت الجامعة القاسمية وجامعة الوصل عقد مؤتمر دولي بـعنوان "الواقع المعاصر وأثره في العلوم الشرعية"